الشيخ محمد رشيد رضا
475
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
آل عمران « وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ » وقال في سورة المائدة « يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً » أي اعتصموا بهذا النور الذي انزل إليهم وهو القرآن المجيد ، وهو حبل اللّه في الآية الأخرى ( ثالثها ) اخلاص الدين للّه عز وجل بأن يتوجه اليه وحده فلا يدعى من دونه أحد ، ولا يدعى معه أحد ، لا لكشف ضر ولا لجلب نفع ، ولا يتخذ من دونه أولياء يجعلون وسطاء عنده ، بل يكون كل ما يتعلق بالدين والعبادة - وأعظمها وأهم أركانها الدعاء - خالصا له وحده ، لا تتوجه فيه النفس إلى غيره ولا يسأل اللسان سواه ، ولا يستعان فيما وراء الأسباب العامة بين البشر بمن عداه ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) هذا هو أهم ما يقال في اخلاص الدين للّه . قال تعالى في أول سورة الزمر ( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ ) فالمنافقون في الدرك الأسفل من الهاوية الا من استثني فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي فأولئك التائبون ، الذين هم لتلك الاعمال عاملون ، يكونون مع المؤمنين لأنهم منهم ، يؤمنون ايمانهم ويعملون عملهم ، ثم يجزون جزاءهم ، وهو ما عظم اللّه تعالى شأنه بقوله وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً أي سوف يعطيهم في الآخرة أجرا لا يعرف أحد كنهه ، ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * * * ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ؟ استفهام إنكاري بين اللّه لنا به انه سبحانه لا يعذب أحدا من عباده تشفيا منه ولا انتقاما بالمعنى الذي يفهمه الناس من الانتقام بحسب استعمالهم إياه فيما بينهم ، وانما ذلك جزاء كفرهم بنعم اللّه عليهم بالحواس والعقل والوجدان والجوارح باستعمالها في غير ما خلقت لأجله من الاهتداء بها إلى تكميل نفوسهم بالعلوم والفضائل والاعمال النافعة - وكفرهم باللّه تعالى باتخاذ شركاء له ( وان سمائهم بعضهم وسطاء وشفعاء ) فبكفرهم باللّه